ابن تيميه
90
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
يقوله مسلم ، بل جعله مستغيثا مستجيرا بأمه التي منع من الاستغفار لها بخلاف المؤمن ، فلم يكن في زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم التي شرعها لأمته بقوله وفعله طلب حاجة من الميت ، ولا القصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به أو دعائه ، بل المقصود بها نفعه ؛ كالصلاة على جنازته والصلاة على قبره حيث شرع ذلك . وكذلك ما علّمه لأصحابه أن يقولوه إذا زاروا القبور ؛ إنما فيه السلام عليهم والدعاء لهم والاستغفار ، كما في الصلاة على جنائزهم . ففي صحيح مسلم وغيره عن بريدة بن الحصيب رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم : « السلام على أهل الديار ( وفي لفظ ) السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » « 1 » . وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم خرج إلى المقبرة فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 2 » . وفيه أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها في حديث طويل ، قال : « إن جبريل أتاني فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم » . قال : قلت : يا رسول اللّه ؛ كيف أقول ؟ قال : قولي : « السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين ، يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 3 » . وفي « سنن ابن ماجة » في هذا الحديث عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : فقدته صلى اللّه عليه وسلّم فإذا هو بالبقيع ، فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم » « 4 » . وفي المسند والترمذي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه ، فقال : « السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر اللّه لنا ولكم ، أنتم سلف لنا ونحن بالأثر » « 5 » . قال الترمذي : حديث حسن غريب . فزيارة القبور المشروعة من جنس الصلاة على الميت ، أما الصلاة عليه إذا كان ظاهرا أو على قبره ، لكن الصلاة عليه هي صلاة ذات تحليل وتحريم واصطفاف وتكبيرات ، والزيارة المطلقة دعاء لهم . وفي الصحيحين : أنه صلّى على شهداء أحد بعد ثماني سنين ، كصلاته على الميت « 6 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 975 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 249 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 974 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( 1546 ) بإسناد ضعيف كما في « الإرواء » ( 3 / 237 ) . لكن للحديث شواهد يصحّ بها إن شاء اللّه . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( 1053 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 12 / رقم : 12613 ) . وضعفه الألباني في « أحكام الجنائز » ص 250 . ( 6 ) أخرجه البخاري ( 1344 ) - وانظر أطرافه هناك - ومسلم ( 2296 ) .